دعاء للمظلومين والأسرى والمنسيين

دعاء للمظلومين والأسرى والمنسيين

هناك آلام لا تصل إلينا كاملة.

نسمع الخبر، نتأثر لحظة، ثم تسحبنا الدنيا إلى أعمالنا، وبيوتنا، وأموالنا، ومواعيدنا. نعود إلى طعامنا، ونومنا، وأماننا، كأن شيئًا لم يكن. لكن هناك من لا يعود. هناك من يبقى خلف الأبواب الثقيلة، خلف القضبان، خلف الغياب الطويل، ينتظر فرجًا من الله لا يملكه أحد غيره.

هذا الدعاء ليس مجرد كلمات للمظلومين والأسرى والمنسيين. هو مرآة لنا أيضًا. مرآة لقلوب اعتادت النعم حتى نسيت شكرها، وسمعت الألم حتى كادت تعتاده، وملكت الحرية حتى ظنتها أمرًا عاديًا.

هذا هو الدعاء: بينما يمضي العالم.


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، نَبِيِّ الرَّحْمَة، وَسِرَاجِ التَّائِهِين، وَأُنْسِ الْمُنْكَسِرِينَ، وَشَفِيعِ الْمُذْنِبِينَ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مَنْ أَرْسَلْتَهُ نُورًا فِي زَمَنِ الظُّلُمَات، وَبَابًا لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَحَبْلًا لِمَنْ أَثْقَلَتْهُمُ الذُّنُوب.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ الطَّاهِرِينَ، الَّذِينَ حَفِظْتَ بِهِمْ نُورَ الْهِدَايَة، وَجَعَلْتَ فِي ذِكْرِهِمْ سَكِينَةً لِلْقُلُوب.

وَصَلِّ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ أَحَبَّهُ صَادِقًا، وَتَعَلَّقَ بِنُورِهِ، وَسَارَ عَلَىٰ هَدْيِهِ، وَرَجَا رَحْمَتَكَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّين.

إِلٰهِي

هَا نَحْنُ نَقِفُ عَلَىٰ بَابِكَ، بِقُلُوبٍ أَوْجَعَهَا فِرَاقُ إِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَلْجَأً إِلَّا أَنْت.

يَا رَحْمٰن.
يَا رَحِيم.
يَا وَاسِعَ النِّعَم.
يَا مَنْ لَا تُحْصَى آلَاؤُه، وَلَا تُحَدُّ نَعْمَاؤُه.

يَا مَنْ أَنْعَمْتَ فَأَغْنَيْت، وَأَطْعَمْتَ فَأَشْبَعْت، وَسَقَيْتَ فَأَرْوَيْت، وَآوَيْتَ فَسَتَرْت، وَأَمَّنْتَ فَرَحِمْت.

إِلٰهِي

لَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ أَبْوَابٍ نَفْتَحُهَا مَتَىٰ شِئْنَا، وَعَلَىٰ طُرُقَاتٍ نَمْشِي فِيهَا آمِنِينَ، وَعَلَىٰ بُيُوتٍ نَأْوِي إِلَيْهَا مُطْمَئِنِّين.

لَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ مَاءٍ بَارِدٍ نَشْرَبُهُ هَنِيئًا، وَعَلَىٰ هَوَاءٍ نَتَنَفَّسُهُ رَغَدًا، وَعَلَىٰ شَمْسٍ نَرَاهَا كُلَّ صَبَاح.

وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ أَصْوَاتِ أَهْلِنَا مِنْ حَوْلِنَا، وَعَلَىٰ ضَحِكَاتِ أَطْفَالِنَا، وَعَلَىٰ أَيَّامٍ تَمُرُّ فِي أَمَانٍ لَا نَشْعُرُ بِقَدْرِهِ.

وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَىٰ مَسَاجِدَ نَدْخُلُهَا خَاشِعِينَ، وَعَلَىٰ قُرْآنٍ نَقْرَؤُهُ بِلَا قَيْد، وَعَلَىٰ سُجُودٍ نَضَعُ فِيهِ جِبَاهَنَا مُطْمَئِنِّين، وَعَلَىٰ أَكُفٍّ نَرْفَعُهَا إِلَيْكَ آمِنِينَ.

إِلٰهِي

نَسْتَيْقِظُ أَحْرَارًا، وَنَسْعَىٰ أَحْرَارًا، وَنَخْرُجُ مَتَىٰ شِئْنَا، وَنَعُودُ مَتَىٰ شِئْنَا.

نَأْكُلُ مَتَىٰ شِئْنَا، وَنَشْرَبُ مَتَىٰ شِئْنَا، وَنَنَامُ دُونَ أَنْ نَسْمَعَ صَرِيرَ الْأَقْفَال.

ثُمَّ لَا نَشْعُرُ بِعَظِيمِ نِعَمِكَ.

بَلْ نَشْكُو.

نَشْكُو ضِيقَ الدُّنْيَا، وَنَتَذَمَّرُ مِنَ الْقَلِيل، وَنَطْمَعُ فِي الْمَزِيد.

بَيْتًا أَكْبَر.
وَمَالًا أَكْثَر.
وَرَاحَةً أَطْوَل.
وَمَتَاعًا لَا يَنْتَهِي.

وَكَأَنَّ مَا عِنْدَنَا قَلِيل.

وَفِي الْأَرْضِ مَنْ يَتَمَنَّى بَعْضَ مَا أَلِفْنَاه، وَبَعْضَ مَا نَسِينَاه، وَبَعْضَ مَا مَرَرْنَا عَلَيْهِ دُونَ شُكْر.

إِلٰهِي

وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أَمْسَىٰ وَأَصْبَحَ مَغْلُولًا فِي الْحَدِيد، لَا لِجُرْمٍ اقْتَرَفَه، بَلْ لِأَنَّهُ آمَنَ بِكَ، أَوْ قَالَ كَلِمَةَ الْحَق، أَوْ ثَبَتَ عَلَىٰ أَرْضِهِ وَدِيَارِه، أَوْ حَمَلَ هَمَّ أَهْلِهِ وَقَوْمِه، أَوْ صَانَ دِينَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ، أَوْ أَبَىٰ أَنْ يُسَلِّمَ قَلْبَهُ لِغَيْرِكَ.

فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ وَأَبِيه.

وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَبَنِيه.

وَبَقِيَتْ عُزْلَةٌ طَوِيلَة، وَغَيْبَةٌ ثَقِيلَة.

لَا يَسْمَعُ فِيهَا إِلَّا صَرِيرَ الْأَبْوَاب، وَلَا يَرَى فِيهَا إِلَّا طُولَ الْغِيَاب، وَلَا يَمْلِكُ إِلَّا رَجَاءً فِي رَحْمَتِكَ، وَحُسْنَ ظَنٍّ بِلُطْفِكَ.

كَيُونُسَ فِي بَطْنِ الظُّلُمَات.

نَادَاكَ فَسَمِعْتَه، وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْكَ فَنَجَّيْتَه.

وَكَمْ مِنْ غَائِبٍ يَتَمَنَّى مَا نَرَاهُ نَحْنُ أَمْرًا هَيِّنًا.

يَتَمَنَّى مَا أَلِفْنَاهُ حَتَّى نَسِينَاه.

أَنْ يَتَنَفَّسَ بِحُرِّيَّة.

وَأَنْ يَشْرَبَ مَاءً بَارِدًا.

وَأَنْ يَسْجُدَ لَكَ مُطْمَئِنًّا.

وَأَنْ يَقُولَ لِأَهْلِهِ: مَا زِلْتُ حَيًّا.

إِلٰهِي

بِحَمْدِكَ نَمْلِكُ كَثِيرًا.

رِزْقًا يَكْفِينَا.
وَمَاءً يَرْوِينَا.
وَوَقْتًا يُمْهَل.
وَبَابًا يُفْتَح.
وَطَرِيقًا يُسْلَك.

ثُمَّ نُضَيِّعُ أَعْمَارَنَا، وَنَقْتُلُ سَاعَاتِنَا، وَنُهْدِرُ نِعَمَكَ فِيمَا لَا يَنْفَع.

ثُمَّ لَا يَزَالُ الْقَلْبُ يَطْلُبُ الْمَزِيد.

يَا مَنْ كُنْتَ مَعَ يُوسُفَ فِي ظُلْمَةِ السِّجْن.

وَمَعَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الظُّلُمَات.

وَمَعَ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُوقِدَتِ النَّار، فَقُلْتَ لَهَا: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا.

فَاجْعَلْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ نَارِ الْقَهْرِ بَرْدًا، وَمِنْ طُولِ الْبَلَاءِ سَلَامًا.

كُنْ مَعَ إِخْوَانِنَا الْمَظْلُومِينَ، الَّذِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ إِلَّا أَنْت، وَلَا بَابَ لَهُمْ إِلَّا بَابُكَ، وَلَا رَجَاءَ لَهُمْ إِلَّا رَحْمَتُكَ.

ثَبِّتْهُمْ إِذَا اضْطَرَبُوا، وَآمِنْهُمْ إِذَا خَافُوا، وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ إِذَا ضَاقَت، وَاجْبُرْ قُلُوبَهُمْ إِذَا انْكَسَرَت.

وَارْدُدْهُمْ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ رَدًّا جَمِيلًا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَىٰ غَيْرِكَ طَرْفَةَ عَيْن.

إِلٰهِي

وَكَمْ مِنْ وَالِدَةٍ غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا.

تَأْكُلُ وَلَا يَهْنَأُ لَهَا طَعَام، وَتُغْمِضُ عَيْنَهَا وَلَا يَسْكُنُ لَهَا قَلْب.

تَسْمَعُ كُلَّ طَرْقَةٍ، فَتَظُنُّهَا خَبَرًا عَنْه.

تَحْمِلُ اسْمَهُ فِي صَدْرِهَا، كَجُرْحٍ لَا يَلْتَئِم، وَكَدُعَاءٍ لَا يَنْقَطِع.

إِلٰهِي

ارْحَمْ كُلَّ أُمٍّ تَنْتَظِر، وَكُلَّ أُمٍّ تَصْبِر، وَكُلَّ أُمٍّ تَبْكِي بُكَاءً لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْت.

اجْبُرْ كَسْرَهُنَّ، وَاشْرَحْ صُدُورَهُنَّ، وَثَبِّتْ قُلُوبَهُنَّ، وَارْدُدْ إِلَيْهِنَّ غَائِبَهُنَّ رَدًّا جَمِيلًا.

كَمَا رَدَدْتَ مُوسَىٰ إِلَىٰ أُمِّهِ.

وَكَمَا رَدَدْتَ يُوسُفَ إِلَىٰ أَبِيه.

وَكَمَا جَعَلْتَ لِهَاجَرَ مِنْ قَلْبِ الصَّحْرَاءِ مَاءً وَرِزْقًا.

إِلٰهِي

وَكَمْ مِنْ زَوْجَةٍ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا.

تُطْفِئُ السِّرَاج، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهَا.

تَضَعُ الطَّعَام، وَيَبْقَى الْمَكَانُ فَارِغًا.

تُخْفِي دَمْعَهَا عَنْ أَطْفَالِهَا، وَتَخْرُجُ بِوَجْهٍ هَادِئ، وَفِي صَدْرِهَا بَحْرٌ لَا يَهْدَأ.

إِلٰهِي

ارْحَمْ كُلَّ زَوْجَةٍ صَبَرَت، وَكُلَّ بَيْتٍ غَابَ عَنْهُ أُنْسُه، وَكُلَّ مَكَانٍ بَقِيَ فَارِغًا، وَكُلَّ لَيْلٍ طَالَ فِيهِ الْفِرَاق.

ثَبِّتْهُنَّ يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوب.

وَاشْرَحْ صُدُورَهُنَّ يَا نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

وَاجْبُرْ كَسْرَهُنَّ يَا جَبَّار.

وَارْزُقْهُنَّ رَجَاءً لَا يَذْبُل، وَيَقِينًا لَا يَضْعُف.

إِلٰهِي

وَكَمْ مِنْ وَالِدٍ غَابَ عَنْهُ وَلَدُه.

يَجْمَعُ بَقِيَّةَ قُوَّتِهِ، وَقَلْبُهُ يَتَصَدَّع.

يَكْتُمُ دُمُوعَهُ كَيْ يَبْقَى الْبَيْتُ قَائِمًا.

يَحْمِلُ هَمَّهُ وَحْدَه، وَيَبْكِي وَحْدَه، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْكَ وَيَقُول:

حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل.

إِلٰهِي

ارْحَمْ كُلَّ أَبٍ خَائِف، وَكُلَّ أَبٍ عَاجِز، وَكُلَّ أَبٍ يَنْتَظِرُ فَرَجًا، وَكُلَّ أَبٍ يَحْمِلُ مَا لَا يُطِيق.

امْلَأْ صَدْرَهُ سَكِينَة، وَقَلْبَهُ يَقِينًا، وَأَقِرَّ عَيْنَهُ بِمَنْ يُحِب.

وَكُنْ لَهُ كَمَا كُنْتَ لِيَعْقُوبَ حِينَ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن.

وَكَمَا كُنْتَ لِنُوحٍ وَهُوَ يُنَادِي ابْنَه.

وَكَمَا كُنْتَ لِإِبْرَاهِيمَ حِينَ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْك.

إِلٰهِي

وَكَمْ مِنْ وَلَدٍ غَابَ عَنْهُ وَالِدُه.

فَفُجِعَ قَلْبُه، وَسَكَتَ صَوْتُه، وَكَتَمَ طُفُولَتَه، وَغَابَتْ بَرَاءَتُه.

يَبْحَثُ عَنْ حُضْن، وَيَنْتَظِرُ صَوْتًا، وَيَنَامُ مُشْتَاقًا، وَيَسْتَيْقِظُ مُنْكَسِرًا.

يَا سَمِيعَ الدُّعَاء

ارْحَمْ طُفُولَتَهُم، وَاحْفَظْ بَرَاءَتَهُم، وَاجْبُرْ كَسْرَهُم، وَلَا تَجْعَلِ الْقَهْرَ يُطْفِئُ نُورَهُم.

عَوِّضْهُمْ يَا رَبّ، عَنْ خَوْفٍ عَاشُوه، وَعَنْ لَيْلٍ بَكَوْه، وَعَنْ حُضْنٍ حُرِمُوه، وَعَنْ أَمَانٍ فَقَدُوه.

اجْعَلْ لَهُمْ بَعْدَ الْأَلَمِ أَمْنًا، وَبَعْدَ الْحُزْنِ فَرَحًا، وَبَعْدَ الْفَقْدِ لِقَاءً، وَبَعْدَ الْكَسْرِ جَبْرًا جَمِيلًا.

يَا لَطِيف، يَا جَبَّار، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

إِلٰهِي

وَهُنَاكَ عِبَادٌ مِنْ خَلْقِك، حَمَلُوا هَمَّ الْمَظْلُومِينَ، وَمَشَوْا فِي طُرُقٍ صَعْبَة، وَوَقَفُوا عِنْدَ أَبْوَابٍ مُغْلَقَة.

رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ فِي عَالَمٍ أَصَابَهُ الصَّمْت.

مِنْهُمْ جَمَاعَاتٌ لِحُقُوقِ الْإِنْسَان، تَحْمِلُ الْقَضِيَّةَ حِينَ يَتْرُكُهَا النَّاس.

وَمِنْهُمْ مُحَامُون، يَقِفُونَ عِنْدَ أَبْوَابِ الْعَدْل، وَيَطْلُبُونَ إِنْصَافًا لِمَنْ لَا صَوْتَ لَه.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ لِيُوقِظَ قَلْبًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يُدَافِعُ لِيَرْفَعَ ظُلْمًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ لِيُحْيِيَ حَقًّا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَىٰ رَحْمَةٍ لَا تَنْطَفِئ.

إِلٰهِي

بَارِكْ فِي سَعْيِهِم، وَسَدِّدْ خُطَاهُم، وَاجْعَلْ كَلِمَاتِهِمْ مِفْتَاحًا لِفَرَجٍ قَرِيب.

لَا تُضِعْ تَعَبَهُم، وَلَا تُخَيِّبْ رَجَاءَهُم، وَاجْعَلْهُمْ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ إِذَا ضَعُفَتِ النُّفُوس.

وَمِنْ أَهْلِ الثَّبَاتِ إِذَا اضْطَرَبَتِ الْقُلُوب.

وَمِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ إِذَا قَسَتِ الدُّنْيَا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ لِيُحْيِيَ حَقًّا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ النَّاسَ عَلَىٰ رَحْمَةٍ لَا تَنْطَفِئ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ فِي الْخَفَاء، لَا يُرَىٰ اسْمُه، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُه، وَلَكِنَّكَ تَرَىٰ سَعْيَه، وَتَعْلَمُ صِدْقَه، وَلَا يَضِيعُ عِنْدَكَ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ.

اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنِ الْمَظْلُومِينَ خَيْرَ الْجَزَاء.

ثَبِّتْ قُلُوبَهُم، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَهُم، وَقَوِّ عَزَائِمَهُم.

لَا تُضِعْ تَعَبَهُم، وَلَا تُخَيِّبْ رَجَاءَهُم.

اجْعَلْ سَعْيَهُمْ نُورًا، وَلِكَلِمَاتِهِمْ أَثَرًا، وَلِجُهْدِهِمْ بَابًا لِفَرَجٍ قَرِيب.

وَاجْعَلْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْهُدَىٰ إِذَا تَاهَتِ السُّبُل، وَمِنْ أَهْلِ الثَّبَاتِ إِذَا اضْطَرَبَتِ الْقُلُوب، وَمِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ إِذَا ضَعُفَتِ النُّفُوس.

إِلٰهِي

ثُمَّ انْظُرْ إِلَيْنَا.

انْظُرْ إِلَىٰ مَسَاجِدِنَا إِذَا سَكَتَت.

وَإِلَىٰ بُيُوتِنَا إِذَا انْشَغَلَت.

وَإِلَىٰ قُلُوبِنَا إِذَا قَسَت.

اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا نَسْمَعُ الْأَلَمَ ثُمَّ نَعْتَادُه.

وَلَا نَرَى الْقَهْرَ ثُمَّ نَتَجَاوَزُه.

وَلَا نَعْرِفُ الْحَقَّ ثُمَّ نَسْكُتُ عَنْه.

وَلَا نَدْعُو لِلْمَظْلُومِ ثُمَّ نَغْفُلُ عَنْه.

إِلٰهِي

أَيْقِظْ فِينَا الرَّحْمَة.

وَأَحْيِ فِينَا الْمُرُوءَة.

وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْمَعُونَ فَيَتَذَكَّرُون، وَيَرَوْنَ فَيَتَحَرَّكُون.

وَلَا تَجْعَلْنَا نَنْسَىٰ إِخْوَانَنَا بَعْدَ الدُّعَاء.

وَلَا نَذْكُرَهُمْ بِأَلْسِنَتِنَا، ثُمَّ تَغْفُلُ عَنْهُمْ قُلُوبُنَا وَأَعْمَالُنَا.

إِلٰهِي

وَمَاذَا عَنِّي؟

مَا الَّذِي أَمْلِكُهُ لِإِخْوَانِنَا إِلَّا الدُّعَاء؟

أَقِفُ أَمَامَ أَخْبَارِهِمْ مَكْسُورًا.

وَأَشْعُرُ أَنَّ الْقَيْدَ لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَحْدَهُمْ.

بَلْ فِي قَلْبِي، حِينَ أَعْلَمُ ثُمَّ أَغْفَل.

وَأَسْمَعُ ثُمَّ أَمْضِي.

وَأُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّم، ثُمَّ تَشُدُّنِي الدُّنْيَا إِلَيْهَا.

تَشُدُّنِي الْوَظَائِف.

وَالْمَصَالِح.

وَالْأَمْوَال.

وَأَنْسَىٰ أَنَّ الْعُمْرَ عَابِر.

وَأَنَّكَ تَسْأَلُنِي عَمَّا اسْتَوْدَعْتَنِي مِنْ نِعَم.

هَا أَنَا وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.

وَأَنَا أَوْلَىٰ بِالِاعْتِرَاف.

أَنَا الَّذِي رَأَيْتُ النِّعَمَ فَاعْتَدْتُهَا.

وَسَمِعْتُ الْآلَامَ فَتَجَاوَزْتُهَا.

وَمَلَكْتُ السَّاعَاتِ فَضَيَّعْتُهَا.

وَمَلَكْتُ الصَّوْتَ فَأَسْكَتُّه.

وَمَلَكْتُ الْقَلْبَ فَشَغَلْتُهُ عَنْكَ.

إِلٰهِي

هَا أَنَا وَحْدِي بَيْنَ يَدَيْكَ.

لَا بَابَ لِي إِلَّا بَابُكَ.

وَلَا جَبْرَ لِي إِلَّا عِنْدَكَ.

يَا أُنْسَ الْوَحِيدِينَ.

يَا رَحْمَةَ الْمُنْكَسِرِينَ.

يَا مَلْجَأَ الْخَائِفِينَ.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

إِنْ تَرَكْتَنِي إِلَىٰ نَفْسِي ضَلَلْت.

وَإِنْ رَدَدْتَنِي إِلَيْكَ نَجَوْت.

فَرُدَّنِي إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا.

وَلَا تَكِلْنِي إِلَىٰ غَيْرِكَ طَرْفَةَ عَيْن.

يَا إِلٰهِي

لَا تَجْعَلْنِي حُرًّا بِلَا شُكْر.

وَلَا آمِنًا بِلَا رَحْمَة.

وَلَا قَادِرًا بِلَا عَمَل.

وَلَا سَامِعًا بِلَا قَلْب.

وَاغْسِلْ قَلْبِي مِنَ الْغَفْلَة.

وَطَهِّرْ نِيَّتِي مِنَ الرِّيَاء.

وَاجْعَلْ دَمْعِي صَادِقًا.

وَدُعَائِي نَافِعًا.

وَعَمَلِي خَالِصًا.

وَلَا تَجْعَلْنِي مِمَّنْ يَتَأَثَّرُ وَلَا يَتَغَيَّر.

أَوْ يَدْعُو وَلَا يَصْدُقُ فِي السَّعْي.

أَوْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ثُمَّ يَحِيدُ عَنْه.

يَا لَطِيف

الْطُفْ بِنَا فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير.

وَيَا غَفَّار

اغْفِرْ لَنَا مَا ظَهَرَ مِنَّا وَمَا خَفِي.

وَلَا تَكِلْنَا إِلَىٰ أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْن.

إِلٰهِي

اجْعَلْ مَا ذَرَفْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْكَ نُورًا يَوْمَ نَلْقَاك.

وَإِنْ غَفَلْنَا، فَأَيْقِظْنَا بِلُطْفِكَ.

وَإِنْ ضَعُفْنَا، فَاحْمِلْنَا بِرَحْمَتِكَ.

وَإِنْ سَقَطْنَا، فَارْفَعْنَا بِجُودِكَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ دَعَا.

وَلِمَنْ اسْتَمَع.

وَلِمَنْ أَمَّنَ فِي صَمْت.

وَاغْفِرْ لِمَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ثُمَّ هَزَّهُ الْحَنِينُ إِلَيْكَ.

اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَه، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَه، وَلَا مَكْسُورًا إِلَّا جَبَرْتَه، وَلَا تَائِهًا إِلَّا هَدَيْتَه، وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا رَحِمْتَه.

وَاخْتِمْ لَنَا بِرَحْمَتِكَ.

وَلَا تَقْبِضْ أَرْوَاحَنَا إِلَّا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.

وَاجْعَلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ شَاهِدَةً لَنَا، لَا عَلَيْنَا.

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللَّهُمَّ عَلَىٰ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَعَلَىٰ آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.


خاتمة

هذا الدعاء ليس كلمات تُقال ثم تُنسى.

هو تذكير لنا بأن خلف كل خبر نمر عليه قلوبًا تنكسر، وبيوتًا تنتظر، وأطفالًا يكبرون قبل أوانهم، وأمهاتٍ وآباءً يحملون وجعًا لا يراه الناس.

وهو تذكير أيضًا بأن النعمة إذا اعتدناها قد نحرم شكرها، وأن الحرية إذا ألفناها قد ننسى من حُرم منها، وأن الدعاء ليس هروبًا من المسؤولية، بل بداية يقظة القلب، وبداية الصدق، وبداية الرجوع إلى الله.

نسأل الله أن يفرّج عن المظلومين، وأن يفك أسر المأسورين، وأن يرد الغائبين إلى أهلهم ردًا جميلًا، وأن لا يجعلنا من الذين يسمعون الألم ثم يعتادونه، ولا من الذين يدعون ثم يغفلون.

اللهم اجعل هذه الكلمات شاهدة لنا لا علينا.
واجعلها باب رحمة، وباب جبر، وباب رجوع إليك.
آمين يا أرحم الراحمين.